من الطاقة إلى الموانئ والزراعة.. شراكة تنموية كبرى تجمع مصر وتنزانيا
تجاوز التعاون بين مصر وتنزانيا حدود العلاقات الدبلوماسية التقليدية، ليتجه بصورة متزايدة نحو تنفيذ مشروعات تنموية كبرى في الطاقة والمياه والزراعة والنقل والبنية التحتية، إلى جانب تدريب الكوادر وتبادل الخبرات وتشجيع استثمارات القطاع الخاص.
وتستند هذه الشراكة إلى روابط تاريخية ومصالح مشتركة تجمع البلدين داخل القارة الأفريقية ومنطقة حوض النيل، مع حرص متبادل على تحويل التفاهمات السياسية إلى مشروعات فعلية تخدم خطط التنمية وتفتح مجالات جديدة أمام الشركات والمستثمرين.
سد جوليوس نيريري.. أبرز مشروعات التعاون
يمثل مشروع سد ومحطة «جوليوس نيريري» الكهرومائية على نهر روفيجي أبرز نماذج التعاون التنموي بين البلدين، بعدما تولى تنفيذه تحالف مصري يضم شركتي المقاولون العرب والسويدي إليكتريك.
وأُسند المشروع إلى التحالف المصري في ديسمبر 2018 بقيمة تعاقدية بلغت 2.9 مليار دولار، لإقامة محطة كهرومائية بقدرة 2115 ميجاوات، تضم تسعة توربينات تبلغ قدرة كل منها 235 ميجاوات.
وتوضح بيانات شركة المقاولون العرب أن المشروع يستهدف تلبية احتياجات تنزانيا من الطاقة الكهربائية، إلى جانب التحكم في تدفقات المياه خلال فترات الفيضان وتوفير المياه المطلوبة على مدار العام.
وتشمل مكونات المشروع السد الرئيسي ومحطة توليد الكهرباء والسدود المساعدة والأنفاق ومحطة الربط الكهربائي والطرق والمنشآت التي تخدم عملية التشغيل، فضلًا عن خزان مائي تبلغ سعته نحو 34 مليار متر مكعب.
ولا تنحصر أهمية المشروع في إنتاج الكهرباء، إذ يرتبط كذلك بالحد من مخاطر الفيضانات وتوفير المياه للزراعة والصيد والحفاظ على البيئة المحيطة.
ويمثل إنجاز المشروع خطوة بارزة للشركات المصرية العاملة في أفريقيا، بالنظر إلى حجمه وتعدد مكوناته الهندسية والفنية، وما يتطلبه من خبرات في أعمال السدود والطاقة والبنية التحتية.
منصة لمشروعات مصرية جديدة
أصبح نجاح الشركات المصرية في مشروع «جوليوس نيريري» نقطة انطلاق نحو توسيع التعاون مع تنزانيا في مشروعات أخرى.
وخلال زيارة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى دار السلام في يوليو 2026، أكد تطلع مصر إلى توظيف الخبرات التي اكتسبتها الشركات المصرية خلال تنفيذ السد، وإتاحة فرص أكبر أمامها للمشاركة في المشروعات التنموية التنزانية.
ويعتمد هذا التوجه على وجود شركات ومعدات وخبرات مصرية تراكمت داخل تنزانيا، ويمكن الاستفادة منها في تنفيذ مشروعات جديدة بدلًا من اقتصار التعاون على مشروع واحد.
كما تشمل المجالات التي تحظى باهتمام البلدين التشييد والبناء، والطرق، والكهرباء والطاقة، والنقل البحري، والموانئ، والمناطق اللوجستية، والزراعة والري، والدواء والمستلزمات الطبية.
الزراعة والأمن الغذائي
تحتل الزراعة موقعًا مهمًا في خطط التعاون المصري التنزاني، بالنظر إلى ما تمتلكه تنزانيا من أراضٍ وموارد طبيعية، وما تملكه مصر من خبرات في استصلاح الأراضي وإدارة المياه والزراعة.
وتبحث الدولتان فرص البدء في مشروع لاستصلاح الأراضي داخل تنزانيا، بهدف دعم الأمن الغذائي وتوفير المحاصيل الأساسية والاستراتيجية التي يحتاج إليها البلدان.
وتشمل الرؤية المطروحة تنفيذ المشروع على مراحل، ثم توسيع المساحات المزروعة تدريجيًا وصولًا إلى إنتاج فائض يمكن توجيهه إلى التصدير.
كما اتفق الجانبان على المضي في مشروعات مشتركة بمجالي الزراعة والثروة الحيوانية، مع وضع آليات متابعة تساعد على تحويل التفاهمات إلى مشروعات ملموسة.
ولا يبدأ التعاون الزراعي بين البلدين من الصفر؛ إذ سبق أن شمل أنشطة لحفر آبار المياه وإقامة مزارع مشتركة، خاصة في زراعة الأرز، إلى جانب برامج بناء القدرات التي تنفذها مصر طبقًا للأولويات التنزانية.
الموانئ والربط البحري والسككي
تمثل تنزانيا موقعًا مهمًا على ساحل المحيط الهندي، ولذلك يحتل تطوير الموانئ ووسائل النقل مكانة متقدمة ضمن المشروعات التي يناقشها البلدان.
وأعربت مصر عن استعدادها للمشاركة في توسعة ميناء دار السلام وتطويره، على أن يأتي ذلك ضمن رؤية أوسع للمحاور اللوجستية الإقليمية التي تربط الميناء بدول الجوار التنزاني.
كما بحث الجانبان مقترح إنشاء خط ملاحي يربط ميناء سفاجا المصري بميناء دار السلام، إلى جانب إنشاء ممر متعدد الوسائط بين القاهرة ودار السلام.
وقد يمتد هذا التعاون إلى تطوير الربط البحري والسككي والطرق والمناطق اللوجستية، بما يساعد على تسهيل حركة التجارة ونقل البضائع والاستفادة من الموقع الاستراتيجي لتنزانيا.
وتضمنت المباحثات المصرية التنزانية في يوليو 2026 التأكيد على أن مشروعات الموانئ والنقل يجب ألا تُدرس بصورة منفصلة، وإنما ضمن شبكة مترابطة تخدم التجارة والتكامل الاقتصادي بين البلدين.
القطاع الخاص شريك في التنمية
يتجه التعاون بين مصر وتنزانيا إلى منح القطاع الخاص دورًا أكبر في تحويل الخطط الحكومية إلى استثمارات ومشروعات قابلة للتنفيذ.
وشارك في اجتماع رجال الأعمال المصري التنزاني الذي عُقِد في دار السلام أكثر من 35 رجل أعمال مصريًا ونحو 120 من نظرائهم التنزانيين، بما عكس اهتمامًا من الشركات باستكشاف الفرص المتاحة في البلدين.
وشهد الاجتماع توقيع مذكرتي تفاهم، إلى جانب الاتفاق على متابعة عدد من المشروعات في الزراعة والثروة الحيوانية والموانئ والنقل والبنية التحتية والتكنولوجيا والعلوم.
وتركز الرؤية المشتركة على إزالة العقبات أمام المشروعات، وتقديم الدعم اللازم للمستثمرين، وتحويل نتائج اجتماعات رجال الأعمال إلى شراكات حقيقية تحقق قيمة مضافة وتفتح أسواقًا جديدة، وهي الأولويات التي تناولتها الجلسة الختامية للمنتدى.
التدريب ونقل الخبرات
لا يقتصر مفهوم التعاون التنموي على إنشاء المباني أو تنفيذ مشروعات البنية التحتية، بل يشمل كذلك تدريب الكوادر ونقل الخبرات.
وتعمل مصر على زيادة برامج التأهيل والدعم الفني الموجهة إلى الكوادر التنزانية في مجالات مختلفة، بما يساعد على تنمية القدرات الوطنية اللازمة لإدارة المشروعات واستمرار تشغيلها والاستفادة منها.
وتأتي هذه البرامج من خلال قنوات متعددة، منها الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية والمبادرة المصرية لتنمية دول حوض النيل، إلى جانب التعاون المباشر بين الوزارات والمؤسسات والشركات في البلدين.
كما تشمل المجالات المطروحة للتعاون التكنولوجيا والعلوم وتبادل الخبرات البشرية، بما يضيف إلى العلاقات بُعدًا معرفيًا إلى جانب المشروعات الهندسية والاستثمارية.
شراكة تقوم على المصالح المشتركة
تعكس خريطة التعاون بين مصر وتنزانيا انتقال العلاقة من برامج محدودة ومتفرقة إلى شراكة تضم مشروعات واسعة في قطاعات مترابطة.
فإنتاج الكهرباء يساعد على دعم النشاط الاقتصادي، بينما تؤدي الموانئ والطرق والممرات اللوجستية دورًا في تسهيل التجارة، وتسهم المشروعات الزراعية في دعم الأمن الغذائي، ويمنح التدريب الكوادر المحلية القدرة على إدارة هذه المشروعات وتطويرها.
وأكدت تنزانيا تقديرها للتعاون مع مصر، ووصفت مشروع سد «جوليوس نيريري» بأنه نموذج إيجابي للتعاون من أجل التنمية والرخاء، في الوقت الذي تعمل فيه البلاد على تحقيق أهداف «رؤية تنزانيا 2050».
وفي المقابل، تؤكد مصر استعدادها للمشاركة في المشروعات التي تخدم الأولويات التنموية لتنزانيا، وتشجع الشركات الوطنية على توسيع نشاطها داخل السوق التنزانية.
وبذلك لا يقوم التعاون بين البلدين على مشروع واحد مهما بلغ حجمه، بل يتجه نحو بناء شبكة من المصالح المشتركة تجمع بين الخبرة الهندسية والاستثمار والتجارة والزراعة والطاقة والنقل والتدريب، وتمنح الشراكة مساحة أكبر للنمو خلال السنوات المقبلة.
قد يعجبك: رئيس الوزراء مصطفى مدبولي يشهد افتتاح سد جوليوس نيريري

%20-%202026-08-22T184907.071.webp)
%20-%202026-08-22T190100.364.webp)