recent
أخبار ساخنة

لماذا تحتفل الإسكندرية بعيدها القومي في 26 يوليو؟ القصة التاريخية وراء المناسبة

لماذا تحتفل الإسكندرية بعيدها القومي في 26 يوليو؟ القصة التاريخية وراء المناسبة

لماذا تحتفل الإسكندرية بعيدها القومي في 26 يوليو؟ القصة التاريخية وراء المناسبة

قد يظن بعض الناس أن اختيار 26 يوليو عيدًا قوميًّا للإسكندرية يرتبط بتأسيس المدينة أو بحدث بحري قديم، لكن الحقيقة تقود إلى لحظة مفصلية في تاريخ مصر الحديث. ففي مساء ذلك اليوم من عام 1952، غادر الملك فاروق البلاد من ميناء رأس التين على متن اليخت الملكي «المحروسة» متجهًا إلى إيطاليا، بعد ثلاثة أيام فقط من تحرك الضباط الأحرار في 23 يوليو.


لهذا تحيي الإسكندرية عيدها القومي في 26 يوليو من كل عام؛ إذ ارتبط التاريخ بالمدينة التي شهدت المشهد الأخير من حكم فاروق ومغادرته مصر. وتوضح البوابة الرسمية لمحافظة الإسكندرية أن المناسبة ترتبط بخروج الملك من البلاد عام 1952.


ثلاثة أيام غيّرت مسار البلاد

بدأت الأحداث فجر 23 يوليو 1952، حين تحرك تنظيم الضباط الأحرار وسيطر على المواقع الحيوية في القاهرة، ثم أُذيع البيان الأول للحركة باسم اللواء محمد نجيب. وخلال وقت قصير انتقل مركز الصراع السياسي إلى الإسكندرية، حيث كان الملك فاروق يقيم في فصل الصيف.


لم يكن الفاصل بين انطلاق الثورة ورحيل الملك سوى ثلاثة أيام، لكنها كانت كافية لتغيير موازين السلطة. ومع وصول الأحداث إلى مرحلة حاسمة، طُلب من فاروق التنازل عن العرش ومغادرة البلاد، لتصبح الإسكندرية مسرحًا للفصل الأخير من عهده الذي امتد ستة عشر عامًا.


وتشير الوثائق التاريخية التي نشرها مكتب المؤرخ بوزارة الخارجية الأمريكية إلى أن علي ماهر باشا حمل إلى الملك صباح 26 يوليو إنذارًا يطالبه بالتنازل لابنه الرضيع ومغادرة مصر قبل السادسة مساءً. وافق فاروق ووقّع وثيقة التنازل، وانتقلت ولاية العرش اسميًّا إلى ابنه الأمير أحمد فؤاد، الذي أصبح الملك فؤاد الثاني.


قصر رأس التين يشهد اللحظة الفاصلة

ارتبطت نهاية عهد فاروق بقصر رأس التين، أحد أبرز قصور الإسكندرية وأكثرها حضورًا في تاريخ الأسرة العلوية. داخل هذا القصر جرت الساعات الأخيرة قبل التنازل عن العرش، ومن الميناء القريب منه انطلقت رحلة الملك الأخيرة خارج مصر.


يحمل المكان دلالة تتجاوز كونه مقرًّا ملكيًّا؛ فالإسكندرية كانت لسنوات طويلة مقرًا صيفيًّا للحكم، وكان قصر رأس التين شاهدًا على أحداث سياسية ومراسم رسمية عديدة. غير أن واقعة 26 يوليو 1952 منحته موقعًا استثنائيًّا في الذاكرة الوطنية، بعدما تحول من رمز للحضور الملكي إلى نقطة انطلاق آخر ملوك الأسرة الحاكمة في رحلته إلى المنفى.


وبذلك لم تكن المدينة مجرد خلفية للأحداث، بل كانت طرفًا جغرافيًّا أصيلًا فيها. ففي مينائها التقت السلطة بالبحر، وتحول الرحيل من قرار سياسي مكتوب إلى مشهد تاريخي تابعته الأنظار من شاطئ الإسكندرية.


«المحروسة» تحمل الملك إلى المنفى

غادر فاروق وأفراد من أسرته على متن اليخت الملكي «المحروسة» متجهين إلى إيطاليا. وتؤكد الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية أن الملك عُزل عقب ثورة 23 يوليو ورُحّل مع أسرته إلى إيطاليا على متن اليخت.

لماذا تحتفل الإسكندرية بعيدها القومي في 26 يوليو؟ القصة التاريخية وراء المناسبة


كان اختيار البحر طريقًا للمغادرة متسقًا مع طبيعة الإسكندرية وموقع قصر رأس التين، لكنه منح الواقعة صورة شديدة الرسوخ في الذاكرة: ملك يترك البلاد من الميناء الذي ارتبط بحكم أسرته، وسفينة ملكية تتحول إلى وسيلة للمنفى. ومن هنا أصبح اسم «المحروسة» جزءًا لا ينفصل عن رواية 26 يوليو، مثلما أصبح ميناء رأس التين عنوانًا مكانيًّا لها.


كانت تلك الرحلة نهاية فعلية لحكم فاروق، لكنها لم تكن الإلغاء القانوني الفوري للنظام الملكي. وهذه نقطة مهمة في فهم التسلسل التاريخي؛ فقد انتقل العرش رسميًّا إلى ابنه الرضيع فؤاد الثاني، واستمرت الملكية اسميًّا قرابة أحد عشر شهرًا أخرى.


هل انتهت الملكية يوم 26 يوليو؟

يرتبط 26 يوليو في الوعي العام بسقوط الملكية، غير أن الدقة التاريخية تقتضي التمييز بين رحيل فاروق وإلغاء النظام الملكي. فقد أنهت مغادرته حكمه الشخصي وفتحت الطريق أمام انتقال السلطة إلى قيادة الثورة، بينما ظل فؤاد الثاني ملكًا من الناحية الرسمية حتى 18 يونيو 1953.


وفي ذلك التاريخ أُعلنت الجمهورية وأُلغي النظام الملكي، وأصبح اللواء محمد نجيب أول رئيس للجمهورية المصرية. وتثبت السيرة الرسمية لمحمد نجيب على موقع رئاسة الجمهورية هذا التسلسل، كما تسجل الهيئة العامة للاستعلامات أن حكم فؤاد الثاني امتد من 26 يوليو 1952 حتى إعلان الجمهورية.


لذلك تمثل مناسبة الإسكندرية ذكرى لحظة الانتقال الكبرى، لا التاريخ القانوني لإعلان الجمهورية. فالمدينة تحتفل باليوم الذي غادر فيه فاروق أرض مصر وانتهى حضوره على رأس الدولة، وهو الحدث الذي جسد أمام المصريين التحول الذي بدأته ثورة 23 يوليو.


لماذا أصبح الحدث عيدًا قوميًّا للإسكندرية؟

تختار المحافظات المصرية عادة أعيادها القومية ارتباطًا بواقعة بارزة في تاريخها المحلي أو الوطني. وفي حالة الإسكندرية، جمع يوم 26 يوليو بين البعدين معًا: حدث وقع على أرض المدينة، لكنه غيّر مسار الدولة بأكملها.


من الناحية المحلية، كانت رأس التين وميناء الإسكندرية واليخت «المحروسة» عناصر أساسية في المشهد. ومن الناحية الوطنية، مثّلت مغادرة فاروق نهاية مرحلة سياسية وبداية عصر جديد أعاد تشكيل نظام الحكم والمجتمع والدولة. ولهذا لم يُنظر إلى الواقعة باعتبارها مجرد سفر لملك معزول، بل بوصفها علامة على انتقال تاريخي واسع.


ومع مرور الأعوام، تحولت الذكرى إلى مناسبة تحتفي فيها المحافظة بهويتها وتاريخها وأبنائها، وتُنظم خلالها فعاليات ثقافية وفنية ورياضية ومجتمعية. وهكذا اتسع معنى العيد القومي ليجمع بين استحضار الحدث التاريخي وإبراز حاضر الإسكندرية ومقوماتها ومشروعاتها وتطلعاتها إلى المستقبل.


ذكرى وطنية لا تاريخ لتأسيس المدينة

من المهم أيضًا ألا تختلط دلالة 26 يوليو بتاريخ نشأة الإسكندرية. فالمدينة أقدم بكثير من الدولة المصرية الحديثة؛ إذ أسسها الإسكندر الأكبر عام 331 قبل الميلاد، وظلت عبر العصور مركزًا للحضارة والعلم والتجارة والثقافة. أما عيدها القومي المعاصر، فقد اختير تخليدًا لواقعة سياسية حدثت بعد أكثر من ألفي عام على تأسيسها.


هذا الفصل بين المناسبتين يساعد على فهم هوية الاحتفال: يوم التأسيس يروي بداية المدينة القديمة، بينما يروي 26 يوليو دور الإسكندرية في واحدة من أهم لحظات مصر الحديثة. ولا يتعارض الحدثان، بل يكشفان اتساع الذاكرة السكندرية التي تمتد من العصر القديم إلى الدولة المعاصرة.


في 26 يوليو من كل عام، لا تحتفل الإسكندرية بمجرد تاريخ على التقويم، بل تستعيد مشهدًا خرج من قصر رأس التين إلى البحر ثم إلى صفحات التاريخ. فمن على شاطئها غادر الملك فاروق مصر، وفي مينائها تجسدت نهاية عهده وبداية تحول سياسي عميق. ولهذا بقي اليوم عيدًا قوميًّا لعروس البحر المتوسط، يربط ذاكرة المدينة بالتاريخ الوطني، ويذكّر بأن الإسكندرية لم تكن يومًا بعيدة عن اللحظات التي صنعت مصير مصر.


قد يعجبك: الإسكندرية تحتفل بعيدها القومي الـ74 بعروض مُبهرة وحضور جماهيري واسع

google-playkhamsatmostaqltradent