recent
أخبار ساخنة

معركة نافارين.. أربع ساعات حطمت الأسطول المصري العثماني وغيّرت مصير اليونان

معركة نافارين.. أربع ساعات حطمت الأسطول المصري العثماني وغيّرت مصير اليونان

معركة نافارين.. أربع ساعات حطمت الأسطول المصري العثماني وغيّرت مصير اليونان

في ظهيرة 20 أكتوبر 1827، دخل أسطول بريطاني فرنسي روسي مشترك خليج نافارين، على الساحل الغربي لشبه جزيرة المورة، لممارسة الضغط من أجل وقف القتال بين الدولة العثمانية والثوار اليونانيين. وبعد نحو أربع ساعات فقط، كان معظم الأسطول المصري العثماني الراسي داخل الخليج قد تحول إلى حطام مشتعل.


لم تكن نافارين مجرد مواجهة بحرية كبيرة؛ فقد أنهت عمليًا قدرة حملة إبراهيم باشا على مواصلة عملياتها بالقوة نفسها، ودفعت القضية اليونانية خطوة حاسمة نحو الاستقلال، وكشفت في الوقت ذاته حجم الكلفة التي دفعتها مصر في حرب خاضتها دعمًا للسلطان العثماني.


من الثورة اليونانية إلى تدخل محمد علي

اندلعت الثورة اليونانية ضد الحكم العثماني سنة 1821، وحققت في بدايتها مكاسب مهمة، مستفيدة من صعوبة نقل القوات العثمانية ومن فاعلية السفن اليونانية الصغيرة و«سفن النار». ومع تعثر محاولات السلطان محمود الثاني للقضاء على الثورة، طلب مساعدة محمد علي باشا، والي مصر وصاحب الجيش والأسطول اللذين أُعيد تنظيمهما وفق أساليب حديثة.


لم يكن قرار المشاركة بسيطًا بالنسبة إلى محمد علي؛ فالحملة كانت مكلفة ومحفوفة بالمخاطر، لكن رفض طلب السلطان كان قد يضعه في مواجهة مبكرة مع الآستانة. أرسل ابنه إبراهيم باشا على رأس قوات مصرية، فوصل إلى المورة في فبراير 1825، ونجح بفضل الانضباط والتدريب وحسن تنظيم الإمداد في تغيير ميزان الحرب.


توالت انتصاراته، وأسهمت قواته في سقوط ميسولونغي سنة 1826، وبدا أن الثورة اليونانية تقترب من الهزيمة.


لكن النجاح العسكري المصري أحدث أثرًا معاكسًا في أوروبا. فقد تصاعد التعاطف الشعبي مع اليونانيين، بينما رأت بريطانيا وفرنسا وروسيا أن استمرار الحرب يهدد مصالحها ويمنح إحداها فرصة للانفراد بالنفوذ في شرق البحر المتوسط. وهكذا امتزج التعاطف مع القضية اليونانية بحسابات القوة والتنافس بين الدول الكبرى.


معاهدة لندن والطريق إلى الصدام

في 6 يوليو 1827، وقعت بريطانيا وفرنسا وروسيا معاهدة لندن، التي اقترحت إقامة كيان يوناني يتمتع بالحكم الذاتي، مع بقائه تابعًا للسلطان ودفعه جزية سنوية. وتضمن الاتفاق فرض هدنة على الطرفين إذا تعذر التوصل إلى تسوية سياسية.


قبل اليونانيون الوساطة، بينما رفضتها الدولة العثمانية واستمرت العمليات العسكرية.


أُرسلت أساطيل الدول الثلاث إلى المياه اليونانية لفرض وقف القتال ومنع وصول التعزيزات إلى قوات إبراهيم باشا. قاد الأسطول المشترك الأميرال البريطاني إدوارد كودرينغتون، وانضم إليه السرب الفرنسي بقيادة هنري دي ريني والسرب الروسي بقيادة لودفيغ هايدن.


وفي المقابل، تجمعت داخل خليج نافارين قوة بحرية عثمانية مصرية، شاركت معها سفن تونسية، واتخذت تشكيلًا يشبه حدوة الحصان لحماية السفن الراسية.


كان الهدف المعلن للأسطول الأوروبي الضغط وفرض الهدنة، لا بدء حرب رسمية مع الدولة العثمانية. لكن إدخال سفن مدججة بالمدافع إلى خليج ضيق، ثم تمركزها على مسافات قصيرة للغاية من الأسطول المقابل، جعل أي شرارة كافية لتحويل الاستعراض المسلح إلى معركة شاملة.


أربع ساعات من النار داخل خليج نافارين

بعد الثانية ظهرًا، بدأت السفن الأوروبية دخول الخليج. حاول مبعوث من جانب إبراهيم باشا إبلاغ كودرينغتون بأن دخول الأسطول لم يحصل على إذن، لكنه رفض الانسحاب.


كانت التعليمات الأوروبية تقضي بعدم إطلاق النار أولًا، إلا أن محاولة بريطانية لإبعاد إحدى سفن النار العثمانية انتهت بتبادل إطلاق النار، وسرعان ما امتد القتال إلى سائر السفن.


دارت المعركة من مسافات قريبة، وسط دخان كثيف وانفجارات وحرائق متلاحقة. وعلى الرغم من تفوق الأسطول المصري العثماني عدديًا، امتلك الحلفاء سفن خط أثقل وتسليحًا أقوى، إلى جانب تدريب أفضل على الرمي والتنسيق بين الوحدات.


كما تحول تشكيل حدوة الحصان، الذي بدا مناسبًا للدفاع، إلى فخ مع ازدحام الخليج وصعوبة المناورة وخطر انتقال النيران بين السفن المتقاربة.


استمر القتال قرابة أربع ساعات. وبحلول المساء كان معظم الأسطول المصري العثماني قد دُمر أو أصبح غير صالح للقتال، بينما لم يفقد الحلفاء سفينة واحدة، رغم تعرض عدد من سفنهم لأضرار جسيمة.


وتختلف المصادر في أعداد الضحايا والسفن المفقودة، لكنها تتفق على أن خسائر الجانب المصري العثماني بلغت عدة آلاف، مقابل نحو 174 قتيلًا في صفوف الأساطيل الأوروبية.


هزيمة بحرية صنعت تحولًا سياسيًا

لم تُنه نافارين الحرب في يومها، كما لم تؤدِ وحدها إلى استقلال اليونان فورًا. بقي جيش إبراهيم باشا في المورة، لكنه فقد وسيلة حاسمة للإمداد والتعزيز والحركة البحرية.


وفي أغسطس 1828، وقع محمد علي مع كودرينغتون اتفاقية الإسكندرية التي مهدت لإجلاء القوات المصرية، بالتزامن مع وصول حملة فرنسية إلى المورة. وغادر إبراهيم باشا وقواته المنطقة خلال خريف ذلك العام.


تتابعت التطورات بعد ذلك بالحرب الروسية العثمانية ومعاهدة أدرنة سنة 1829، ثم الاعتراف بكيان يوناني مستقل سنة 1830، قبل قيام المملكة اليونانية لاحقًا.


ومن ثم كانت نافارين نقطة التحول التي جعلت إخضاع الثورة بالقوة أمرًا بالغ الصعوبة، وفتحت الطريق أمام التسوية الدولية التي أنشأت الدولة اليونانية الحديثة.


أما بالنسبة لمصر، فكانت المعركة ضربة قاسية لمشروع بحري بُني بجهد ومال ودماء المصريين. وقد أظهرت أن نجاح جيش محمد علي على البر لم يكن كافيًا حين قررت القوى الأوروبية استخدام تفوقها البحري لفرض إرادتها.


كما عمقت التجربة شعور محمد علي بأن خدمة أهداف السلطان قد تستنزف قوته من دون أن تمنحه المقابل الذي يطمح إليه، لتدخل علاقته بإسطنبول بعد سنوات قليلة طورًا جديدًا من الصدام.


بقيت معركة نافارين واحدة من آخر المعارك الكبرى التي خاضتها السفن الشراعية وحدها، لكنها لم تكن خاتمة عصر بحري فحسب؛ بل كانت لحظة انتقل فيها مستقبل اليونان من ميدان القتال المحلي إلى ميزان القوى الدولي، وخرجت منها مصر بخسارة عسكرية ثقيلة ودرس سياسي لا يقل قسوة عن الهزيمة نفسها.


قد يعجبك: معركة أبو قير البحرية.. الليلة التي عزلت جيش نابليون وغيرت ميزان القوى

google-playkhamsatmostaqltradent