في مثل هذا اليوم 19 أغسطس.. خدعة أبي قير.. كيف غيّر أسطول خرج من الإسكندرية مسار حملة 1882؟
في 19 أغسطس 1882 غادرت قوة بحرية وعسكرية بريطانية ميناء الإسكندرية متجهة ظاهريًا إلى خليج أبي قير. بدا المشهد كأنه تمهيد لإنزال جديد يلتف حول دفاعات الجيش المصري عند كفر الدوار، لكن الهدف الحقيقي كان إخفاء انتقال الحملة البريطانية إلى قناة السويس. كانت الإسكندرية بذلك مسرح انطلاق خدعة عسكرية سبقت احتلال الإسماعيلية والتقدم نحو معركة التل الكبير.
خلفية ما بعد قصف الإسكندرية
جاء التحرك بعد أسابيع من قصف الأسطول البريطاني حصون الإسكندرية في يوليو واحتلال أجزاء من المدينة، بينما أعاد أحمد عرابي تنظيم قواته غرب الدلتا. وعندما اختبرت القوات البريطانية الطريق من الإسكندرية نحو القاهرة، واجهت دفاعات مصرية قوية في نطاق كفر الدوار. دفع ذلك قائد الحملة، غارنت ولسلي، إلى البحث عن محور آخر يسمح له بالوصول إلى الداخل وتجاوز التحصينات.
وصل ولسلي إلى الإسكندرية في 15 أغسطس، فيما كانت السفن وناقلات الجنود تتجمع بالميناء. وفي 18 أغسطس تحركت وحدات من الحرس والفرسان والبنادق من معسكرات الرمل وبدأت الصعود إلى السفن، بينما تولت قوات أخرى حراسة المدينة ومواقع الرمل. كانت كل التحركات العلنية توحي بأن أبا قير سيكون وجهة الهجوم.
قد يعجبك: وصول غارنت ولسلي إلى الإسكندرية وتغير مسار حملة الاحتلال البريطاني
الأسطول يغادر الإسكندرية
يسجل كتاب تشارلز رويل «الحملات المصرية 1882–1885» أن ناقلات الجنود خرجت في 19 أغسطس ترافقها المدرعات البريطانية «ألكسندرا» و«إنفلكسبل» و«مينوتور» و«سوبرب» و«تيميرير». رافق ولسلي والأدميرال بوشامب سيمور القوة، وتحرك الموكب شرقًا من الإسكندرية.
عند الثالثة والنصف عصرًا، وصلت السفن إلى أبي قير واصطفت وفق ترتيب معد سلفًا. اقتربت السفن الحربية من الساحل وخفضت صواريها وأظهرت استعدادات توحي بقرب القصف والإنزال. انتظر المدافعون المصريون في الحصون بدء الهجوم، بينما مُنح مراسلو الصحف معلومات محسوبة تساعد على انتشار الرواية التي أرادتها القيادة البريطانية.
خدعة أبي قير
بعد حلول الظلام، غادرت ناقلات الجنود الخليج شرقًا، ثم لحقتها السفن الحربية. وعندما طلع الصباح كان الأسطول قد اختفى من أمام أبي قير واتجه إلى بورسعيد. تؤكد الرواية المعاصرة أن الخدعة نجحت في تضليل المراقبين الأوروبيين والقوات المصرية معًا، إذ بقي الاعتقاد قائمًا بأن الهجوم سيقع حول الإسكندرية.
لم يكن التحرك مجرد مناورة بحرية قصيرة؛ فقد نقل مركز ثقل الحملة من جبهة الإسكندرية إلى قناة السويس. وفي بورسعيد وجدت القوة أن البحرية البريطانية أحكمت السيطرة على القناة، ثم بدأت عمليات النزول في الإسماعيلية والتقدم بمحاذاة قناة المياه العذبة وخط السكك الحديدية.
ما الذي يعنيه الحدث للإسكندرية؟
يكشف يوم 19 أغسطس عن موقع الإسكندرية في لحظة مفصلية من الحرب العرابية. فالمدينة كانت قاعدة الإمداد الأولى للحملة البريطانية ومكان تجمع الجنود والسفن، لكنها كانت أيضًا واجهة الخداع الذي أخفى الوجهة الحقيقية للعملية. أما دفاعات كفر الدوار، التي حالت دون تقدم سهل من الغرب، فكانت عاملًا رئيسيًا في تغيير الخطة البريطانية.
وتوثق النسخة الرسمية التي أعدها فرع الاستخبارات في وزارة الحرب البريطانية للحملة فصلًا مستقلًا بعنوان «الإسكندرية من 19 إلى 23 أغسطس»، بما يؤكد استمرار القيمة العسكرية للمدينة حتى بعد انتقال القوة الرئيسية إلى القناة. وظلت في الإسكندرية حامية بريطانية وخطوط اتصال ومعسكرات في الرمل، بينما تحركت القوة الضاربة شرقًا.
لذلك لا يمثل 19 أغسطس 1882 تاريخ مغادرة أسطول فحسب، بل اليوم الذي استُخدمت فيه جغرافية الإسكندرية وأبي قير لصناعة تضليل عسكري غيّر مسار الحملة. ومن هذا التحول بدأت مرحلة انتهت بهزيمة الجيش المصري في التل الكبير ودخول القوات البريطانية القاهرة، ثم بدء احتلال امتد لعقود.
قد يعجبك: معركة أبي قير البحرية.. الليلة التي عزلت قوات نابليون وغيرت ميزان القوى

%20-%202026-08-19T005303.436.webp)