recent
أحدث الموضوعات

الحملة الصليبية القبرصية على الإسكندرية 1365م

الحملة الصليبية القبرصية على الإسكندرية (767هـ - 1365م)

شهدت الإسكندرية في عهد المماليك، وبالتحديد سنة 1365م حملة صليبية بحرية عُرِفت بـ "الحملة الصليبية على الإسكندرية" أو "وقعة الإسكندرية" في المصادر الإسلامية عند النويري وغيره، كما تُعرف أيضًا بـ "الحملة الصليبية العاشرة".

انطلقت تلك الحملة من جزيرة قبرص بقيادة ملكها "بيير دي لوزينان" أو "بطرس الأول"، وكانت تهدف للقضاء على حكم المماليك واحتلال مصر، إلا أنها اكتفت بعمليات السلب والتخريب في المدينة، وقتل المدنيين من أهلها، وفضَّل بطرس الانسحاب عائدًا إلى مملكته حاملًا ما استولى عليه من غنائم، وتجنب مواجهة المماليك القادمين من القاهرة لقتاله.
وقعة الإسكندرية

كانت مدينة الإسكندرية واحدة من أهم الثغور البحرية الإسلامية منذ الفتح الإسلامي لمصر، ونظرًا لأهميتها الكبيرة وموقعها الحيوي، حاولت الدولة البيزنطية استعادتها بعد سنواتٍ قليلة من فتح المسلمين لها، ولكن المحاولة باءت بالفشل.

وكانت تلك المحاولة بمثابة الإنذار لدولة الخلافة الراشدة التي بدأت بالتوسع من خلال فتوحات متتالية في الشام ومصر والمغرب، ولكن مع كل تلك الانتصارات كانت الدولة البيزنطية لا تزال تملك تفوقًا بحريًا على المسلمين، الذين كانوا غير معتادين على الحروب البحرية، وحققوا كل انتصاراتهم المبهرة على الإمبراطوريتين البيزنطية، والفارسية الساسانية في معارك برية مشهودة في الشام والعراق وبلاد فارس.

ومع تنامي المخاطر التي تهدد المدن الساحلية في مصر والشام، إقترح والي الخلافة الراشدة في الشام معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- إنشاء الأسطول الإسلامي وفتح جزر البحر المتوسط المواجهة للثغور الإسلامية مثل جزيرة قبرص، والتي يتخذها الروم قاعدة لشن هجماتهم على سواحل الشام ومصر، وبالفعل جهز معاوية أول أسطول بحري إسلامي وفتح قبرص في عام 28هـ وأبرم مع أهلها اتفاقًا يقضي بقيامهم بدفع جزية سنوية للمسلمين، وعدم قيامهم بمساعدة البيزنطيين إذا حاولوا غزو بلاد الإسلام، إلا أن أهل قبرص نقضوا عهدهم، وعادوا لمساعدة البيزنطيين في هجماتهم على سواحل الشام، مما جعل معاوية يقوم بحملة أخرى على الجزيرة في عام 34هـ.

ظلت السيادة على قبرص تتأرجح بين المسلمين والبيزنطيين لقرونٍ طويلة، قام المسلمون فيها بعدة حملات على الجزيرة أشهرها في عهد هشام بن عبد الملك عام 107هـ ، وهارون الرشيد عام 190هـ، والمقتدر بالله عام 297هـ، ولكن ظهور الدولتين الشيعيتين؛ البويهية والفاطمية، ساهم بشكلٍ كبير في تداعي الخلافة العباسية، وتراجع سيطرتها على الأقاليم الإسلامية، مما مهد الطريق للإمبراطور البيزنطي نقفور الثاني لاستعادة قبرص عام 352هـ - 965م ومحو كل مظاهر الإسلام فيها.

معلومات عن جزيرة قبرص

تقع جزيرة قبرص في شرق البحر المتوسط، وتتمتع بموقع حيوي للغاية، بين قارات العالم القديم آسيا، وأوروبا، وإفريقيا، وتعتبر ثالث أكبر الجزر مساحةً في البحر المتوسط بعد صقلية وسردينيا.
الموقع الحيوي لجزيرة قبرص

تمتاز جزيرة قبرص بالثروات الطبيعية، كالمعادن والمحاصيل الزراعية المتنوعة، وآبار المياه العذبة، وكل ذلك بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي، جعلها مطمعًا لكل الدول الكبرى منذ العصور القديمة، وقد تناوب على السيطرة على قبرص العديد من الممالك والإمبراطوريات إلى أن استقرت تحت حكم البيزنطيين كما أشرنا سابقًا، لذا كان المذهب السائد فيها هو المذهب الأرثوذوكسي الذي كان مذهبًا رسميًا للإمبراطورية البيزنطية.

قبرص والحملات الصليبية

مع بدء الحملات الصليبية القادمة من غرب أوروبا على بلاد الشام، كانت الإمبراطورية البيزنطية تراقب الوضع بحذرٍ وتخوفٍ، بسبب الخلاف المذهبي بينها وبين غرب أوروبا الكاثوليكي، وقد عانى البيزنطيون أشد معاناة خلال تلك الحملات، التي كانت في الغالب تمر عبر أراضي دولتهم في طريقها لبلاد المسلمين، حتى إن الحملة الصليبية الرابعة ركزت على نهب القسطنطينية بدلًا من هدفها المعلن الذي كان استرداد بيت المقدس.

في أعقاب انتصار صلاح الدين على الصليبيين في معركة حطين (583هـ - 1187م) واسترداد بيت المقدس، أصبحت "مملكة بيت المقدس" مملكة وهمية، وأصبح ملكها السابق "جي دي لوزينيان" ملكًا لمملكة لا وجود لها على أرض الواقع، وقام هذا الأخير بمساعدة ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلتر في احتلال قبرص سنة 1190م خلال حملته الصليبية التي استهدفت عكا.

وتقديرًا لتعاون دي لوزينان، قام ريتشارد بتعيينه حاكمًا على جزيرة قبرص، فأسس دولته بها، وحكمها هو وسلالته من بعده لأكثر من قرنين من الزمان (1192م - 1429م)، وأصبح لقبرص دورًا مغايرًا في الحملات الصليبية منذ دخولها تحت حكم آل لوزينان، فبعد العداء للصليبيين بفعل الاختلاف المذهبي، والتبعية السابقة للدولة البيزنطية، أصبحت قاعدة هامة لدعم وإمداد الحملات الصليبية، وظهر ذلك واضحًا خلال الحملات الصليبية الخامسة والسادسة والسابعة، كما تحولت قبرص لأكبر وجهة لبقايا وفلول الصليبيين الذين تم طردهم تباعًا من بلاد الشام، حتى قضى السلطان الأشرف خليل بن قلاوون عليهم نهائيًا في (691هـ - 1291م) بعد تحرير عكا التي كانت أخر معاقل الوجود الصليبي المشرق.

بعد سقوط عكا، أصبحت قبرص هي المقر الأساسي للوجود الصليبي، وبدأت المؤامرات تحاك فيها، للعمل على إضعاف دولة المماليك، من خلال فرض حصارٍ إقتصاديٍ عليها.

أسباب الحملة الصليبية على الإسكندرية

كان ملك قبرص بطرس الأول (1358م - 1369م) يُظهر كراهيةً وعداءً شديدين تجاه المسلمين، وكان مؤمنًا بفكرة الحروب الصليبية، وعزم على تجهيز مشروع صليبي ضخم يهدف إلى القضاء على دولة المماليك التي تحكم مصر والشام، ولأجل هذ الغرض طاف على ملوك أوروبا محاولًا إقناعهم بالاشتراك في مشروعه، إلا أنه لم يجد منهم الحماس الكافي بسبب المشاكل الداخلية التي كانت تعاني منها بلدانهم، ولم يوافق على مساعدته إلا الفرسان الاسبتارية في جزيرة رودس، كما بارك البابا أوربان الخامس تلك التحركات، حتى أنه سن قانونًا يمنع السفن التجارية الأوروبية من دخول الموانيء المصرية، بهدف إضعاف موارد دولة المماليك، التي كانت تعتمد بشكلٍ كبير على فرض الضرائب على التجارة بين الشرق والغرب.

رفض التجار الإيطاليون الانصياع لأوامر البابا، مما دفعه لتشكيل قوة عسكرية مهمتها اختطاف التجار الأوروبيين المخالفين للقانون الذي أصدره، وأصبحت سواحل مصر وموانيها تحت المراقبة الدقيقة.

وفي إجراء أكثر عدائية، ودلالة على اقتراب الحرب، جمع بطرس السفن الحربية، والمحاربين في جزيرة رودس، وأمرالتجار الفرنجة في بلاد الشام بوقف تجارتهم فيها، ومغادرتها.

الأوضاع الداخلية لدولة المماليك قبيل الحملة الصليبية على الإسكندرية

كانت دولة المماليك تعيش حالة من الفوضى بسبب الصراع على السلطة بين أبناء وأحفاد الناصر محمد بن قلاوون، ففي عام (764هـ - 1363م) بويع الأشرف شعبان (وهو حينذاك بعمر 12 سنة كما ذكر ابن إياس) بالسلطنة بعد خلع ابن عمه المنصور محمد، ونظرًا لصغر سن الأشرف شعبان، فقد كان الأتابكي يلبغا العمري وأمير السلاح طيبغا الطويل يتحكمان بشكلٍ كامل في إدارة الدولة، وبسبب حالة التربص والعداء بين الرجلين، عمت الفوضى في بلاط السلطنة في الوقت الذي كانت فيه الحملة الصليبية القبرصية على الأبواب.
عملة نحاسية ترجع لعصر المماليك

تفاصيل وقعة الإسكندرية

في شهر محرم عام 767هـ وبينما كان الملك الصغير يتنزه في أرياف الدلتا، وكان الأتابكي يلبغا يتنزه هو الآخر في العباسية، وردت الأنباء بوصول حملة صليبية يقودها ملك قبرص إلى ثغر الإسكندرية، ومما زاد الأمر سوء أن الأمير خليل بن عرام نائب الإسكندرية كان يؤدي فريضة الحج، واستخلف عليها نائبًا عنه كان صغير السن وقليل الخبرة.

لما وردت أنباء الحملة إلى الأتابكي يلبغا ظن أنها شائعة ومكيدة من أمير السلاح طيبُغا الطويل، نظرًا لما كان بينهما من عداوة وتنافس، ولما تحقق السلطان والأتابكي من صحة الخبر، رجعا إلى القلعة، ونادى السلطان في القاهرة بالنفير العام.

في تلك الأثناء كانت الحملة الصليبية التي يقودها بطرس الأول قد وصلت إلى سواحل الإسكندرية، وكانت مكونة من 70 سفينة، تحمل 30 ألف جندي كما ذكر المؤرخ الشهير ابن تغري بردي، ومما سهل دخولها الإسكندرية، هو عدم قيام القوات القليلة المدافعة عن المدينة بالتحصن خلف الأسوار المنيعة وانتظار الإمدادات القادمة من القاهرة، ولكنهم خرجو للساحل ليواجهوا الصليبيين الذين انتصروا عليهم بسهولة ودخلوا الإسكندرية وبدأوا بارتكاب أبشع المجازر بحق أهلها.
استباح الصليبيون مدينة الإسكندرية ونهبوا كل ما فيها من بيوت ومتاجر ومساجد وقصور، ثم أضرموا النيران فيها، وقتلوا كل من وجدوه من رجال ونساء وأطفال، بطريقة بربرية أعادت للأذهان المذبحة التي قاموا بها عند دخولهم بيت المقدس عام 492هـ.

ظلت أعمال النهب والتخريب مستمرة لمدة ثلاثة أيام، قُتل خلالها خمسة آلاف من سكان الإسكندرية، وتم آسر خمسة آلاف آخرين من الرجال والنساء والأطفال ليباعوا كعبيد في أوروبا.

في تلك الأثناء كان السلطان الأشرف شعبان قد خرج من القاهرة على رأس قواتٍ ضخمة في طريقه إلى الإسكندرية، مصطحبًا معه كل الأمراء والقادة، عازمًا على طرد الصليبيين من المدينة، ولما وصلت تلك الأنباء إلى بطرس خاف من مواجهة المماليك، وفضَّل مغادرة الإسكندرية حاملًا معه الغنائم الكثيرة التي استولى عليها، والأسرى الذين سيباعون كعبيد.

وقد روى المؤرخ المعاصر للأحداث محمد بن القاسم النويري السكندري تفاصيل دقيقة عما اقترفه الصليبيون من جرائم في الإسكندرية، وذلك في كتابه "الالمام بالإعلام فيما جرت به الأحكام والأمور المقضية في وقعة الإسكندرية".

وقد وصف الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة ما حل بالمدينة من خلال هذه الأبيات:

ألا في سبيل الله ما حــل بالثغـر        على فرقة الإسلام من عصبة الكفر

أتاها من الإفرنج سبعون مركبًا           وحاطت بها الفرسان في البر والبحر  


عندما تأكد السلطان من مغادرة الصليبيين للمدينة، أمر نائبها ابن عرام بالعودة إليها، ودفن جثث الشهداء، وأمر الأمراء بالبقاء فيها لتعميرها من جديد بعد ما أصابها من تخريبٍ ودمارٍ، ثم ما لبث السلطان أن عزل ابن عرام عن نيابة الإسكندرية وعين عوضًا عنه الأمير بكتمر الشرفي وكان مقدم ألف، وكانت السابقة الأولى التي يتم فيها تعيين مقدم ألف على نيابة الإسكندرية.

تبعات الحملة الصليبية على الإسكندرية

على الرغم من عمليات النهب التي قامت بها حملة بطرس الأول في الإسكندرية، إلا أنها فشلت في تحقيق أهدافها، وتسببت بتعطل تجارة الإيطاليين، وارتفاع أسعار التوابل بشكلٍ كبير.

وكرد فعل على جرائم الصليبيين في الإسكندرية، قام الأتابكي يلبغا بالقبض على جميع من في مصر والشام من الفرنجة والبطارقة والنصارى -كما ذكر ابن إياس- وألزمهم بدفع نصف أموالهم إلى السلطان حتى يرسل تلك الأموال إلى الفرنجة ويفتدي بها أسرى المسلمين.

كان هناك إتجاه واضح للقيام بإجراء عقابي ضد مملكة قبرص عقابًا لها على الجرائم التي ارتكبت في الإسكندرية، ويتضح ذلك في أمر يلبغا بحشد جميع النجارين في الشام، إلى منطقة تسمى جبل شغلان بالقرب من أنطاكية، معروفة بكثرة أشجار الصنوبر والقرو، وذلك لقطع الألواح الخشبية ونشرها، بغرض إنشاء أسطول من السفن، كما حشد يلبغا كل البحارة في مصر لتشغيل المراكب التي يتم تصنيعها.

وعلى الرغم من المشاكل الداخلية التي كانت تعانيها دولة المماليك من آنٍ لآخر، وانتقال السلطة إلى فرقة المماليك الجراكسة، إلا أن الانتقام من مملكة قبرص ظل هدفًا أساسيًا لكل السلاطين المتعاقبين، حتى تم ذلك بفتح قبرص وأسر ملكها في عهد السلطان الأشرف برسباي بعد 60 عام تقريبًا من وقعة الإسكندرية.
google-playkhamsatmostaqltradent